علي بن يوسف القفطي

16

إنباه الرواة على أنباه النحاة

وكان أبو عبيد ديّنا ورعا جوادا ، وأنفذ أبو دلف ( 1 ) إلى ابن طاهر يستهديه أبا عبيد مدّة شهرين ، فأنفذ أبا عبيد إليه ، فأقام شهرين ، فلما أراد الانصراف وصله أبو دلف بثلاثين ألف درهم ، فلم يقبلها وقال : أنا في جنبة ( 2 ) رجل ما يحوجنى إلى صلة غيره ، ولا آخذ ما فيه عليّ نقص . فلما عاد إلى طاهر بن الحسين وصله بثلاثين ألف دينار بدل ما وصله أبو دلف ، فقال له : أيها الأمير ، قد قبلتها ولكن قد أغنيتنى بمعروفك وبرّك وكفايتك ، وقد رأيت أن أشترى بها خيلا وسلاحا وأوجّهها إلى الثغر ليكون الثواب متوفّرا على الأمير ، ففعل . ولما عمل أبو عبيد كتاب غريب الحديث وعرضه على عبد اللَّه بن طاهر استحسنه وقال : إنّ عقلا بعث صاحبه على عمل مثل هذا الكتاب لحقيق ألَّا يحوج إلى طلب المعاش . فأجرى له عشرة آلاف درهم في كل شهر . قال أبو عبيد : مكثت في تصنيف هذا الكتاب أربعين سنة . وربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال فأضعها في موضعها من الكتاب ، فأبيت ساهرا فرحا منّى بتلك الفائدة ، وأحدكم يجيئني فيقيم عندي أربعة أشهر ، فيقول : قد أقمت الكثير ! وأوّل من سمع هذا الكتاب من أبى عبيد يحيى بن معين ( 3 ) ، وعرض هذا الكتاب على أحمد بن حنبل فاستحسنه وقال : جزاه اللَّه خيرا . وكتب أحمد كتاب غريب الحديث الذي ألفه أبو عبيد أوّلا .

--> ( 1 ) هو أبو دلف العجلي ، واسمه القاسم بن عيسى بن إدريس ، كان شجاعا جوادا ممدّحا ، وهو الذي قال فيه علي بن جبلة . إنما الدنيا أبو دلف * بين باديه ومحتضره فإذا ولى أبو دلف * ولت الدنيا على أثره توفى سنة 225 . النجوم الزاهرة ( 2 : 243 ) . ( 2 ) الجنبة : الناحية . ( 3 ) تقدّمت ترجمته في حواشي الجزء الأوّل ص 254 .